Skip to main content

أثر وحكمة

مقـالات

March 16, 2026

عن اليتم وأشياء أخرى - 38381

ليس اليُتم دائمًا شهادة وفاة، ولا يبدأ بالضرورة عند لحظة الفقد الظاهرة. فبعض الناس يعيشون بيننا مكتملين في الأوراق الرسمية، تحيط بهم الأسماء والعلاقات، لكنهم يحملون في الداخل شعورًا عميقًا بالوحدة. إن اليُتم أحيانًا لا يكون فقد الأب أو الأم، بل فقد السند، وفقد ذلك الصوت الذي يطمئن القلب حين تضيق الحياة، ويقول لصاحبه في لحظة الانكسار: لست وحدك.

فقد يظهر اليُتم في شاب يخوض الحياة وحده، لأن الظروف سحبت من حوله دوائر الدعم؛ مما جعله يواجه قراراته الثقيلة دون نصيحة صادقة، ويتحمل مسؤوليات أكبر من عمره لأنه لم يجد من يتقاسم معه الطريق، ففي حين يبدو قويًا في أعين الآخرين، إلا أن الحقيقة أنه تعلّم الصمود لأنه لم يجد خيارًا آخر.

واليُتم قد يسكن داخل العلاقات نفسها.. زوجان يعيشان تحت سقف واحد، لكن الحوار انقطع، والاهتمام تآكل، والدفء انسحب بهدوء؛ فلا خصام صاخب ولا انفصال معلن، فقط مسافة باردة تتسع يومًا بعد يوم، هنا يصبح الإنسان يتيم المودّة، محاطًا بالناس لكنه محروم من الشعور الحقيقي بالقرب.

حتى كبار السن يعرفون هذا النوع من اليُتم حين يمتلئ البيت بالأثاث ويخلو من الزيارات، وحين يتحول الهاتف إلى صمت طويل، ويصبح الانتظار أثقل من الأيام نفسها، ويصبح الألم وقتها في الإحساس بأن حضورهم لم يعد ضروريًا في حياة أحد.

لهذا جاء التوجيه القرآني واسع المعنى حين قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، فالمولى عز وجل لم يحدد نوع اليُتم، لأن القهر لا يقتصر على فقد الوالدين، بل يشمل كل إنسان فقد الأمان: فالقهر قد يكون كلمة قاسية، أو تجاهلًا متكررًا، أو برودًا في لحظة كان القلب فيها يحتاج رحمة بسيطة.

الإنسانية الحقيقية تبدأ حين نصبح سندًا لمن لم يعد يملك سندًا، وحين ندرك أن بعض القلوب لا تحتاج صدقة عابرة، بل حضورًا صادقًا يعيد إليها الشعور بأنها ما زالت مرئية ومحبوبة وآمنة في هذا العالم.

شارك

Facebook
Twitter
LinkedIn
X

انـتـظـرونــا قـريـبًـا