
يُنهي الإنسان عمله كل يوم، ويغادر المكان مطمئنًا أنه أدّى ما طُلب منه، الأوراق أُغلقت، المهام أُرسلت، والقائمة التي كانت أمامه صارت فارغة.. لكن خلف هذا الشعور بالإنجاز يبقى سؤال أعمق قليلًا: هل انتهى العمل فعلًا، أم انتهت المهمة فقط؟
هناك فرق دقيق بين الأمرين؛ فالعمل قد يُنجَز بسرعة، لكن الإتقان يحتاج شيئًا آخر؛ يحتاج عناية بالتفاصيل، وصبرًا على المراجعة، وحرصًا على أن يخرج الشيء بأفضل صورة ممكنة.. ولهذا كان الإتقان في جوهره مسألة ضمير قبل أن يكون مسألة مهارة.
وقد جاء التوجيه القرآني لهذا الأمر غاية في الإتقان:
” وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”
الكلمة المحورية في الآية ليست “العمل”، بل “الرؤية”.. فالإتقان هنا ليس مجرد مستوى أداء مرتفع، وإنما علاقة بين العمل ورضا الله عز وجل الذي يشاهدك طوال الوقت، وحين يفهم الإنسان هذه الحقيقة يتغير ميزان العمل في داخله، فتظهر رقابة أعمق من كل ذلك.. رقابة يعرِّفُّها القرآن حين يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾.
هذه الآية تتحدث عن العمل بوصفه حركة يومية يصاحبها فعلًا مرئيًا في ميزان أعلى؛ فكل مهمة مهما بدت صغيرة تقف تحت نور المراقبة الإلهية: تقرير يُكتب، مريض يُفحص، قطعة تُصنَع، درس يُشرح.. كلها أعمال تحمل في داخلها فرصة لأن تتحول إلى عبادة.
وحين يستقر هذا المعنى في القلب يتغير مستوى الأداء تلقائيًا؛ لأن الإنسان سيشعر أن ما يقدمه يمثل أمانته الشخصية؛ وحينها يصبح الإتقان عادة داخلية لا تحتاج إلى مراقبة مستمرة.. وهكذا يتحول العمل من نشاط يومي يتكرر كل صباح، إلى مساحة يختبر فيها الإنسان صدقه مع نفسه، وإخلاصه في ما بينه وبين الله.