Skip to main content

أثر وحكمة

مقـالات

February 23, 2026

 

ليسوا أسرع منك! - 38092

لا يتذكر الطفل غالبًا لماذا انفصل والداه لكنه يتذكر جيدًا كيف حدث ذلك.. يتذكر نبرة الصوت، وطريقة إغلاق الباب، ونظرات الصمت الثقيلة التي ملأت البيت قبل أن يغادر أحدهما؛ فالأحداث الكبيرة لا تترك أثرها في القلوب بسبب تفاصيلها المنطقية، بل بسبب شكلها الإنساني؛ ولهذا لا تكون النهايات مجرد لحظة انتهاء علاقة، بل لحظة انكشاف حقيقي لطبيعة الإنسان حين يفقد ما كان يربطه بآخر.

كثير من حالات الانفصال لا تتحول إلى صراعات بسبب الأسباب نفسها التي أدت إليها، لكن بسبب الطريقة التي يُدار بها الألم بعد وقوعها؛ فالجرح حين يختلط بالأنا يتحول إلى رغبة في إثبات الذات بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن هو كسر الطرف الآخر أو تشويه صورته أو استخدام الأبناء كورقة ضغط.. وهنا تكون المشكلة الحقيقية هي فقدان القدرة على الحفاظ على إنسانية الطرفين رغم الألم.

أما الأبناء فهم أكثر من يدفع ثمن هذا التحول.. ذلك لأنهم يشعرون بكل كلمة قاسية، وكل محاولة لإهانة أحد الوالدين الآخر أمامهم.. الطفل يحتاج إلى بيئة لا تهتز فيها صورة الأمان، وقد أثبتت التجارب النفسية أن أكثر ما يترك أثرًا طويلًا في نفس الطفل في حالات الانفصال: الطريقة العدائية التي يُدار بها؛ فالنهايات الهادئة يمكن أن تحافظ على قلب الطفل، حتى لو لم تستطع الحفاظ على شكل الأسرة كما كان.

ولهذا جاء التوجيه القرآني في هذا الباب مختلفًا عن كثير من التصورات البشرية.. فلم يتعامل مع الطلاق باعتباره مجرد إجراء قانوني، ولم يركز على أسبابه بقدر ما ركز على أخلاقياته.. فجعل القاعدة الحاكمة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. هذه العبارة القصيرة ترسم فلسفة كاملة في إدارة النهايات، فلسفة تقوم على أن الكرامة لا يجب أن تُداس لأن العلاقة انتهت، وأن الاحترام لا يفقد قيمته لأن الحب لم يعد قائمًا.

 

وأخيرًا النهايات ليست مجرد محطات توقف، النهايات اختبارات دقيقة تكشف مستوى النضج الداخلي، وتحدد ما إذا كان الإنسان قادرًا على أن يحافظ على إنسانيته حتى حين يخسر أم لا؟ ولهذا تبقى القاعدة الأصدق: قد ينتهي الحب، وقد تنتهي الحياة المشتركة، لكن الأخلاق لا ينبغي أن تنتهي أبدًا.

 

 

شارك

Facebook
Twitter
LinkedIn
X

انـتـظـرونــا قـريـبًـا