
بعض الحروب لا تُطلق فيه رصاصة.. ولا تُرى فيه دبابة.. لكنها مع ذلك تخلِّف وراءها دمارًا واسعًا، وقلوبًا مثقلة، وبيوتًا مضغوطة، وأرواحًا مطوّقة بالقلق.
إنها حروب الربا.. حروب تبدأ بتوقيعٍ صغير في أسفل صفحة.. بنسبةٍ تُكتب في الهامش.. بجملةٍ قانونية لا يقرأها أحد جيدًا؛ ثم يكبر الرقم.. ويكبر معه القيد وفي اللحظة التي يظنّ فيها الإنسان أنه اقترب من الحل، يجد نفسه أقرب إلى الاختناق.
فالربا في تعريف الواعين “في الظاهر زيادة وفي الباطن استنزاف”.. لأن الأمر يبدو كصفقة متوازنة: مالٌ مقابل وقت؛ لكن الحقيقة أعمق من هذا بكثير؛ فحين يُبنى المال على حاجة المحتاج، يتحول من وسيلة عمران إلى أداة ضغط، ومن جسر تعاون إلى سُلَّم يصعد عليه طرف، بينما ينحني آخر تحت الثقل.
لهذا كان تحريم الرِّبا إعلانًا أخلاقيًا أن الكرامة لا تُرهن مقابل نسبة؛ ومن أهمية هذا الأمر كان تنبيه النبي الكريم عليه في خطبة الوداع، فحين وقف نبي الله ﷺ في خطبته الأخيرة، في ذلك المشهد الذي سُمِّي لاحقًا حجة الوداع، لم يترك قضية الرِّبا مؤجلة للمستقبل؛ لم يقل سنعالجها لاحقًا حين تستقر الدولة.. إنما أعلنها واضحة: كل ربا موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس.
ثم يأتي التحذير القرآني في القرآن بصيغة لا تشبه غيرها: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وحين يُستخدم لفظ الحرب، فهذا يعني أن المسألة ليست ذنبًا فرديًا معزولًا، بل خللًا يضرب توازن المجتمع كله.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا سُمِّيَت حربًا؟
والإجابة للمتأمل واضحة لأن الرِّبا لا يؤذي فردًا فقط.. لكنه يؤذي المجتمع كله، لأنه يُعيد تشكيل العلاقة بين الناس؛ ففي الاقتصاد الطبيعي يتشارك الناس المخاطرة والعائد، أما في الرِّبا، فالمعادلة مختلّة: طرف يضمن الزيادة مهما كانت النتائج، وطرف يتحمّل الخسارة وحده، وهنا تختل العدالة ويتحوّل المال من شريك إلى سيّد.
فكم من بيتٍ هدمته الأقساط الربوية
وكم من شاب أثقلته الفوائد.
وكم من حرب يعيشها الناس يوميًا
لا يُرى دخانها.. لكن يُرى أثرها في وجوه الناس.
قد يبدو الرِّبا حلًا سريعًا في عالمٍ يضغط على الجميع؛ لكن بعض الحلول تشبه الماء المالح.. كلما شربت منه ازددت عطشًا، وحين أعلن القرآن الحرب، لم يكن الهدف التخويف بل الإنقاذ: إنقاذ المال من أن يتحول إلى أداة ظلم، وإنقاذ الإنسان من أن يختزل قيمته في قدرته على السداد.