
ينجح فيقول: اجتهدت ويربح فيقول: استحققت، ويصل فينسى الطريق الطويل الذي لم يقطعه وحده.
هي طبيعة بشرية متأصلة في الإنسان؛ فنحن نحب أن ننسب الإنجاز لأنفسنا؛ نعدّ الساعات ونحصي الليالي ونتذكر التعب ونتغافل عن التفاصيل التي لم نصنعها: باب فُتح في الوقت المناسب.. شخصٌ ساند.. فرصة جاءت بلا موعد.. ظرف تهيّأ دون تخطيط كامل.
فنرى الصورة من زاوية واحدة.. زاوية الجهد؛ لكن الحقيقة أن الجهد وحده لا يصنع المعجزات ذلك أن هناك ميزان غائب اسمه “ميزان النفوس”.
في لحظة مجدٍ عظيمة وقف نبيٌّ ملك.. سُخّرت له الريح والجنود وجاءه عرش عظيم في طرفة عين.. المشهد كان كافيًا ليغري أي نفسٍ بالانتفاخ؛ لكنه لم يقل: فعلتُ.. ولا قال: قدرتُ.. بل قال جملة واحدة غيّرت ميزان المعنى: (هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي) كلمة خالدة قالها سليمان عليه السلام كما ورد في كتاب الله تعالى وهو يرى العرش مستقرًا عنده، ومن هذه الالتفاتة يجب أن نقف أمام نعم الله ونسأل السؤال الذي سيغير معاييز نظرتنا للأشياء سؤال: أأشكر أم أكفر؟
وهنا سيتبدل المنظور كله، فالنجاح ليس تتويجًا فقط.. النجاح امتحان خفي للنفس يخبرها أن يملك الفضل هو الله عز وجل وحده، لأننا حين نرى النعمة حقًا مكتسبًا، تبدأ أولى خطوات الكِبر الخفي؛ لكننا حين نراها عطية من المولى عز وجل يبدأ الشكر.
الفرق بين الجملتين بسيط في الظاهر، عظيم في الأثر: (أنا صنعت هذا وهذا من فضل ربي) الأولى تجعلك تقف وحيدًا أمام إنجازك، والثانية تجعلك ترى أن وراء الأسباب مُسبِّبًا، ووراء التخطيط عناية، ووراء كل توفيق لطفًا لا يُرى.
وكم من شخصين اجتهدا بالمقدار نفسه فنجح أحدهما وتعثر الآخر؟ الجهد واحد.. لكن النتائج مختلفة؛ هنا يظهر الفرق بين الحساب البشري والتدبير الإلهي، لذا كان الشكر هو أول خطوات اعتراف أن النعمة قد تكون استدراجًا إن لم تُقابل بشكر، وأن الزيادة ليست دائمًا علامة رضا.. بل قد تكون امتحانًا أدقّ من النقص.
وفي النهاية لسنا مطالبين أن نقلل من جهدنا، لكن أن نعرف قدره الحقيقي، نبذل.. نعم، نجتهد.. نعم، نفرح بالوصول.. نعم؛ لكننا لا ننسى أن فوق كل تدبير تدبيرًا، وفوق كل سببٍ لطفًا، وفوق كل إنجاز فضلًا عنوانه: “هَذَا من فَضْلِ رَبِّي”.