
ليست كل الانتهاكات صاخبة فبعضها يبدأ بهدوءٍ مريب.. بنظرةٍ عابرة لا ينتبه صاحبها إلى ثقلها، لكنها تسقط في قلب الآخر كحجرٍ في ماءٍ ساكن.
فقد نظن أن الاقتحام يحتاج إلى قوة.. إلى كسر بابٍ أو رفع صوت؛ لكن الحقيقة أن أكثر الأبواب تُكسَر حين تسبق العينُ الأدب، وحين يتقدّم الفضول خطوةً قبل أن يتقدّم الاحترام. هناك لحظةٌ صغيرة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها في ميزان القيم ليست عادية أبدًا. لحظةٌ يُفتَح فيها هاتف دون إذن، أو تُلتقط صورة خفية، أو يُطرح سؤال يتجاوز المساحة الآمنة للآخر ومن تلك اللحظة يبدأ شيءٌ في الداخل بالتصدّع.
ليست جدرانًا فقط.. البيوت فكرة قبل كل شيء.. فكرة السكينة وفكرة المساحة الآمنة وفكرة المودة والرحمة وفكرة الأمان.. فكرة أن لك مساحة لا يُدخلها أحد إلا وأنت مطمئن. وحين نُسقِط هذا المعنى من وعينا، تتحول البيوت – ماديًا ورقميًا – إلى مساحاتٍ مستباحة؛ فلم تعد العتبة خشبًا وحجرًا، بل شاشةً وكلمة مرور، وصورةً خاصة، ورسالةً شخصية؛ ومع ذلك، يبقى السؤال كما هو: هل استأذنت؟
في النص القرآني لم يكن الأمر بالاستئذان مجرد تنظيم اجتماعي عابر، لكنه كان تربية قلبية لعباد الله؛ فالله عز وجل لم يقل: ادخلوا إذا أردتم، بل قال: ﴿حَتّىٰ تَسْتَأْنِسُوا﴾. والاستئناس أعمق من الاستئذان.. هو طلب الأُنس قبل العبور، طلب الطمأنينة قبل المبادرة بالخطوة الأولى تجاه الآخر؛ وكأن التشريع هنا يحمي الجدران، ويحمي شعور الآخر القاطن خلف هذه الجدران.
وفي زمن الشاشات المفتوحة، صارت العيون أسرع من الأبواب، فصرنا نرى ما لا ينبغي أن نراه، ونعرف ما لم يُؤذن لنا بمعرفته، ونشارك ما لم يُمنح لنا حقّ مشاركته. ثم نتساءل: لماذا ضعفت الثقة؟ لماذا صارت العلاقات هشّة؟ والجواب بسيط.. لأن الحرمات أصبحت مستباحة.
الخصوصية في ديننا عبادة أخلاقية؛ عبادة تقول للآخر اطمئن فأنا أراك وأحترم حدودك؛ لذلك يُعدُ الاستئذان صيانة يومية للثقة: في البيت، وفي العمل، وفي العالم الرقمي.. وكل ما علينا أن نتبع هذه القاعدة:
“ليس كل ما تستطيع الوصول إليه يحق لك نشره؛ وليس كل ما انكشف أمامك صار مباحًا لك”
حين نتجاهل الاستئذان لا نخسر لحظةً فقط.. نخسر شعورًا بالأمان.. وربما نخسر علاقةً كاملة دون أن نفهم متى بدأ الشرخ؛ ذلك الشرخ الذي بدأ حين كسرت حدود الحرمات وحين سبقت العينُ الأدب وحين تقدّم الفضول على القيم.