
ليست كل الأزمات تأتي من قسوة الواقع فأحيانًا تأتي من تفسيرنا له.. ولنضرب أمثلة مثل: (قرار يتأخر – ترقية لا تأتي – تكليف يُسحب فجأة – مهمة تُمنح لغيرك)
هل لاحظت العامل المشترك بين تلك الأمثلة.. إنه الأثر الذي يتركه في نفسيتك.. فالحدث واحد لكن أثره يختلف من شخص لآخر.
لماذا؟
لأن الإنسان يعيش إحساسه بالوقائع التي تدور من حوله.. وهنا تظهر فكرة عميقة في علم الإدارة والسلوك التنظيمي: العدالة الإدراكية.
ليست العدالة الفعلية وحدها هي التي تهدئ النفوس بل شعور الإنسان بأنه عومل بعدل؛ فقد يكون القرار منطقيًا ومدروسًا وصحيحًا إداريًا؛ لكن إن لم يُشرح، وإن لم يُحتَرَم المتأثر به، وإن لم يشعر أنه مفهوم ومُقدَّر؛ سيتحوّل القرار من إجراء إلى جرح.
وهنا يلتقي هذا المعنى بعمق الحلقة: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ تلك الآية التي تُشعرك بالطمأنينة وبأن كل الضغوطات قد انمتهت.. تلك الآية التي تنقل القلب من شعور العزلة المجتمعية والأسرية إلى شعور الرعاية الإلهية..
والفرق في شيء واحد غاية في الأهمية: إنه إدراك المعية.
حين لا يشعر الموظف بالعدالة، لا يغضب دائمًا بصوت مرتفع.. أحيانًا يصمت أو ينسحب أو يؤدي عمله بلا شغف.. ويستمر بلا روح.
وهذا ليس تمردًا.. بقدر ما هو شعور داخلي بأن الحياة غير منصفة.. وهنا يأتي دور العدالة الإدراكية التي تعني أن يفهم الناس لماذا تم اتخاذ هذا الإجراء.. فالإنسان يحتمل القرار الصعب إن شعر أنه مرئي.
ويصبر على التأخير إن شعر أنه مفهوم.
ويثبت تحت الضغط إن شعر أنه ليس وحده.
وهنا تعود الآية لتتجاوز زمانها: فالوعد فيها ليست مجرد تثبيت لنبي في محنة،
بل نموذج نفسي وإداري عميق: حين يشعر الإنسان أنه “بأعيننا” يهدأ حتى لو لم يتغير القرار.