Skip to main content

أثر وحكمة

مقـالات

March 16, 2026

صمت الجوار.. حين تقترب البيوت وتبتعد القلوب - 38388

تتلاصق الشقق وتتشابه الأبواب حتى يبدو المبنى وكأنه عالم صغير مكتمل، ومع ذلك قد يعيش الناس فيه سنوات دون أن يعرف أحدهم اسم جاره. يلتقون في المصعد للحظات قصيرة، يتبادلون نظرات عابرة، ثم ينتهي اللقاء كما بدأ: بصمت.

هذا الصمت لم يكن جزءًا من طبيعة المجتمعات القديمة؛ فقد كانت علاقة الجوار مساحة يومية من التفاعل الإنساني. الأبواب مفتوحة، والأخبار معروفة، والمساعدة قريبة. لكن إيقاع الحياة السريع، وضغوط العمل، وخصوصية المدن الحديثة، جعلت البيوت تتحول تدريجيًا إلى جزر متجاورة لا يربط بينها شيء سوى الجدران.

ومع ذلك، فإن النص القرآني يقدم تصورًا مختلفًا لهذه العلاقة. فقد جاء ذكر الجار في سياق لافت ضمن منظومة القيم الاجتماعية الكبرى:

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.

وجود الجار في هذه القائمة الطويلة يلفت الانتباه؛ فهو ليس قريبًا بالضرورة، وليس صديقًا اختاره الإنسان بنفسه، بل شخص جمعته بنا الجغرافيا قبل أي شيء آخر. ومع ذلك منحه النص حقًا واضحًا.

وقد أكدت السنة هذا المعنى حين قال النبي ﷺ:

“ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”.

إن تكرار الوصية بالجار يكشف عن فلسفة اجتماعية عميقة: فالمجتمع المتماسك لا يقوم فقط على الروابط العائلية أو الصداقات القديمة، بل يقوم أيضًا على العلاقات اليومية البسيطة التي تتشكل بين الناس بحكم القرب.

ولهذا فإن الجوار ليس مجرد عنوان في عقد السكن، بل مساحة إنسانية يمكن أن تضيف للحياة دفئًا مفقودًا في المدن الكبيرة. سلام بسيط، سؤال صادق، أو مساعدة عابرة قد تعيد لهذه العلاقة معناها الحقيقي.

فقد لا نستطيع تغيير طبيعة المدن الحديثة، لكن يمكننا أن نتذكر أن الجدار الذي يفصل بين البيوت لا يجب أن يفصل بين القلوب.

شارك

Facebook
Twitter
LinkedIn
X

انـتـظـرونــا قـريـبًـا