
أحد أخطر الأوهام التي تصنعها المنصات المهنية فكرة أن الآخرين أفضل منك، وأنهم يتحركون بسرعة أكبر؛ هذا الإحساس يأتي من واقع مُصُوَّر لك؛ فطريقة العرض نفسها لحياة المشاهير توحي لك بذلك؛ إذ لا نرى حياة كاملة؛ فجلُّ ما نراه نقاطًا مضيئة متباعدة، تشبه ومضات متقطعة في ظلام طويل.
في الحقيقة لا أحد ينشر ساعات القلق قبل قرار الاستقالة، ولا سنوات المحاولات قبل ترقية واحدة، ولا لحظات الشك التي تسبق كل إنجاز.. فما نراه ليس مسارًا مهنيًا حقيقيًا، بل نسخة مُنتقاة منه بعناية، نسخة تُظهر النتيجة وتُخفي الزمن الذي استغرقته.
وهنا يتولد الخلل النفسي الأعمق: نحن نقارن مسارًا كاملًا نعيشه يومًا بيوم، بلحظات مُجمَّدة من مسارات الآخرين، والخطأ الأكبر أننا نقارن الرحلة بكل تفاصيلها، بالنهاية فقط التي نراها على شاشات المحمول.. وهذا النوع من المقارنة لا يمكن أن يكون عادلًا، لأنه يضع واقعًا متحركًا في مواجهة صورة ثابتة.
المشكلة ليست في الطموح، ولا في متابعة نجاح الآخرين، بل في وهم الإيقاع الذي تخلقه المنصات؛ فحين تتكرر أمامك أخبار الترقيات والتنقلات والإنجازات بوتيرة سريعة، يتشكل شعور داخلي بأن العالم يتحرك بسرعة أكبر مما ينبغي، وأنك متأخر عن موعد غير معلوم؛ ويؤدي هذا مع الوقت إلى ضغط دائم لا علاقة له بحجم العمل الحقيقي، لكنه شعور بإحساس زائف بأن الجميع يسبقك.
هذا ما تشير إليه كثير من الدراسات الحديثة حين تتحدث عن الاحتراق النفسي المرتبط بالمنصات المهنية.. الاحتراق الذي ينتج عن كثرة العمل، وعن الإحساس المستمر بأن الجهد لا يكفي، وأن هناك دائمًا نقطة وصول أبعد لم تبلغها بعد.. إنه احتراق ناتج عن المقارنة الزمنية لا المقارنة المهارية.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة تعريف العلاقة مع هذه المنصات: فهي في أصلها أدوات اطلاع وتعلم، لكنها تحولت مع الوقت بسهولة إلى مرايا قاسية حين استخدمها الناس لقياس قيمتهم.. والفارق يكمن في زاوية النظر: هل ننظر لنتعلم، أم لنقارن؟ هل نقرأ المسارات بوصفها خبرات، أم بوصفها سباقًا؟
الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن لكل إنسان توقيته الخاص، وأن النجاح ليس حدثًا لحظيًا بقدر ما هو تراكم طويل لا يظهر على الشاشات؛ فالمنصات تعرض اللحظة التي تكتمل فيها الصورة، لكنها لا تعرض آلاف اللحظات التي بُنيت فيها.
وهنا يلتقي المعنى المهني مع الحكمة القرآنية العميقة التي وضعت حدًا نفسيًا لهذه المقارنة منذ قرون، حين جاء التوجيه بعدم إطالة النظر إلى ما في أيدي الآخرين. فالمشكلة دائمًا تكمن في التعلق الذي يولّد الحسرة ويحوّل الإنجازات إلى مصدر قلق بدل أن تكون مصدر إلهام.
في النهاية لا تتقدم الحياة بسرعة ما يظهر على الشاشة، حياتك كلها المهنية والشخصية تتقدم بسرعة ما ينمو في داخلك من مهارات وثبات ووعي؛ ومن يفهم هذه الحقيقة يتحرر من سباق وهمي لا خط نهاية له، ويستعيد القدرة على السير بإيقاعه الخاص، لا بإيقاع الخوارزميات.